القاعدة تعود إلى حواضنها

المقاله تحت باب  قضايا
في 
20/10/2012 06:00 AM
GMT



مثلما بدأوا في الانتشار وتوطين أقدامهم في مناطق أطراف بغداد مطلع عام 2005، حيث كان تواجدهم وتحركاتهم واضحة للعيان آنذاك، يعاود تنظيم "القاعدة" والمتشددون المرتبطون بها من السكان المحليين تنظيم صفوفهم ومزاولة نشاطاتهم مجدداً انطلاقا من تلك المناطق التي تحولت أجزاء منها إلى حواضن اجتماعية لهم.
معلومات استخباراتية صادرة عن مكتب القائد العام للقوات المسلحة الذي يقوده رئيس الوزراء نوري المالكي تفيد إن فلول القاعدة الممثلة بـ "دولة العراق الإسلامية" ومجموعات مسلحة تساندها تسعى إلى تجميع قواها مجدداً وبسط سطوتها مجدداً مثلما كان عليه الحال إبان ذروة العنف الطائفي الذي شهدته البلاد بين عامي (2006 – 2008).
ففي تلك المرحلة تحولت أقضية هبهب والعظيم منفذ بغداد إلى الشمال، والتاجي وأبي غريب من جهة الغرب، ونواحي اليوسفية واللطيفية والمدائن التي تمثل منفذ العاصمة إلى الجنوب إلى مناطق حاضنة لأبناء "القاعدة" ونقطة انطلاقهم لتنفيذ عمليات إرهابية داخل بغداد.
هذه المناطق ذات الطبيعة الزراعية التي ترتبط جغرافيا ببلدات أخرى سيطّر عليها التنظيم وأذرعه المسلحة البالغ عددها ثمانية فصائل، لا تزال فيها بعض الشواهد التي تدّل بلغة صامتة على أن إتباع بن لادن مرّوا من هنا، من وهذه الشواهد مراكز التدريب العسكري التي أقامتها قبل سنوات مضت داخل البساتين الزراعية.
فضلاً عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالأبنية الحكومية ومنازل المهجرين وبقايا السيارات المحترقة، إلى جانب مظاهر التعصب التي بدت ملامحها واضحة على أزياء ووجوه سكان هذه المناطق المعروف عنهم سابقا حُسن تعاملهم مع الآخرين.
مقتطفات من وثيقة رسمية على شاكلة توجيهات عسكرية مكتوبة على الآلة الطابعة إطلعّت عليها "نقاش" نقلت بعض بنودها إن مكتب المالكي العسكري حذر القادة الامنيين في الوحدات الميدانية في تلك المناطق من أنشطة قائمة وأخرى محتملة للعناصر الإرهابية في قواطعهم الجغرافية.
ويستند المكتب العسكري في تحذيراته، إلى "تحركات مشبوهة لمتمردين وأفراد جماعات متشددة كانوا معتقلين سابقاً في السجون الحكومية والأميركية" لاحظتها عيون المخبرين السريين واعترافات أدلى بها بعض "الإرهابيين" ممن تم اعتقالهم مؤخراً.
وهناك مجموعة مؤشرات تفيد بتنامي نشاط الجماعات الأصولية في مقدمتها عمليات اغتيال مسئولين وضباط أمنيين، وسلسلة تفجيرات بسيارات مفخخة وعبوات ناسفة تكررت في بغداد وغيرها من المدن، وكذلك الهجمات المُنسقة على مقار وسجون حكومية لتهريب عناصر متشددين أعلنت "القاعدة" مسئوليتها عنها.
وأبرز مثال على ذلك، ما حدث في عملية فرار سجناء خطرين من سجن "تسفيرات تكريت" قبل أسابيع، حيث يُرجح إن الهدف منها كان لـ"رفد صفوف القاعدة بنشطاء وأصحاب خبرة يحتاجهم هذا التنظيم لتنفيذ عمليات تم التخطيط لها في العاصمة بغداد تحديداً".
ما تطرقت إليه الوثيقة المسرّبة تتردد بعض تفاصيله على ألسنة قادة الأمن وبعض المشرِّعين إذ أكد نائب رئيس اللجنة الأمن والدفاع البرلمانية اسكندر وتوت إن "عجز شبه تام يسيطر على أداء الأجهزة الأمنية في مناطق أطراف بغداد فيما يخص مسألة مواجهة القاعديين".
وسبب هذا العجز حسب رأيه يعود إلى "اختراق عناصر القاعدة لمفاصل الأجهزة الأمنية المحلية في تلك المناطق" التي كانت ولا تزال بعضها معاقل رئيسة لإتباع الفكر الديني المتشدد، وكذلك بسبب "ضعف المعلومات الاستخباراتية الدقيقة التي تفتقر إليها الأجهزة الأمنية بشكل عام" طبقا للنائب وتوت وهو ضابط كبير في الجيش المنحل.
أنباء عودة "القاعدة" إلى الواجهة في العراق، تأتي تزامنا مع تقارير صحافية أفادت بوجود زيادة كبيرة في أعداد المنتمين لفرع هذا التنظيم في بلاد الرافدين في العام الحالي.
حتى إن الوثيقة تشير إلى أن من بين أولئك المتطرفين الذي يعيدون تنظيم صفوفهم، عناصر مستترين تحت عباءة الأجهزة الأمنية، وآخرين من أفراد "مجالس الصحوات" الذين عاد بعضهم من جديد للانضمام إلى صفوف "القاعدة" بعد أن تخلّت عنهم الحكومة وتركتهم يواجهون مصيرهم بين مطرقة المتشددين ووابل رصاصهم، وسندان الدعاوى القضائية المقامة ضدهم من الأهالي والتي يُطالب في بعضها منهم بالحق العام".
التأكيدات لما تم تسريبه من الجهات الرسمية، جاءت على لسان الشيخ أبو معمر الدليمي نائب القائد السابق لمجلس صحوة منطقة التاجيالذي أكد إن بعض عناصر المليشيات المسلحة التي كان يتزعمها والذين لم يسعفهم الحظ بالانخراط في المؤسسات الحكومية سواء الأمنية أو المدنية عادوا للعمل مع القاعدة بشكل سري".
الشيخ العشائري أكد على استعداده لقتال "القاعدة" من جديد في حال تلقى الدعم اللازم من الحكومة كما كان يتلقاه من القوات الأميركية التي أسست تلك الصحوات، أوضح إن "عمليات تجنيد الأشخاص تتم في الخفاء داخل المناطق التي كانت تعتبر سابقا معاقل للتنظيم".
الوثيقة العسكرية المؤرخة في منتصف أيلول(سبتمبر) الماضي أفادت إن "المسلحين المتشددين أخذوا يخططون لعملياتهم الإرهابية في اجتماعات يعقدوها داخل منازل مشيدة وسط بساتين زراعية".
مكتب القائد العام استند في تحذيراته وتوجيهاته إلى مصادر استخبارية - يقال أنها مزروعة داخل تلك التنظيمات المسلحة - إلى جانب اعترافات "مهمة" أدلى بها متمردين تم اعتقالهم مؤخراً تفيد إن المناطق المشار إليها تم اتخاذها كـ"مراكز إيواء وتخطيط لشن هجمات مسلحة وتفجيرات انتحارية ضد شخصيات سياسية ومقار حكومية".
هذه المعلومات التي تم تسريبها من مصدر استخباري يعمل في الفوج الأول التابع للواء 42 ضمن الفرقة (11) احد تشكيلات وزارة الدفاع دفعت مكتب المالكي إلى إرسال قوات عسكرية من بغداد إلى تلك المناطق للمرابطة مع القوات الموجودة هناك، أو استبدال وحدات الجيش والشرطة الاتحادية بأخرى متمرسة كانت قد خاضت معارك ضارية ضد جماعات "القاعدة" في سنوات سابقة، وهو ما حصل في ناحية المدائن على سبيل المثال.
وفور استلام برقيات التحذير اتخذت القيادات العسكرية الميدانية القادمة من العاصمة والتي تولّت زمام الأمور بدلاً عن قيادات الشرطة غير الموثوق بها من قبل القيادة العليا في بغداد، سلسلة إجراءات أمنية مشددة من بينها شن حملات مداهمة دورية على الأماكن المشبوهة يرافقها اعتقال للعناصر المشتبه بها.
كما تم اتخاذ أعلى إجراءات الحيطة والحذر من خلال تحصين المواقع العسكرية والمقار الأمنية في تلك المناطق وتسيير دوريات عسكرية داخل البساتين الزراعية المأهولة بأشجار النخيل والحمضيات، وزرع بعض كاميرات المراقبة في الشوارع والأحياء الرئيسية واستخدام الطيران العسكري والكلاب البوليسية في عمليات البحث عن المطلوبين والأسلحة والمتفجرات.
التحذيرات الرسمية التي بدأت بعض تفاصيلها تتفشى داخل الأوساط السياسية والصحافية، تعززها معلومات أوردها وزير الداخلية السابق جواد البولاني في نفس سياق وثيقة مكتب المالكي العسكري.
إذ قال في مقال نشره الخميس الماضي ووزع على بعض وسائل الإعلام، إن "القاعدة بدأت تعيد جمع شتات فصائلها التي تبعثرت في أكثر من دولة عندما تخلّت عن منهج النصرة الذي ألزمت به تنظيماتها مع هبوب رياح الربيع العربي".
الوزير السابق أوضح أنه "خلال الأشهر الأخيرة خطط أمراء الموت لإعادة فلولهم إلى العراق بما يعيد لهم بعض ما خسره التنظيم في المواجهة مع القوات الأمنية العراقية أو تناثر عناصرها بسبب قلة مصادر تمويلها".
وكان تنظيم "القاعدة" في مطلع عام 2006 ونهاية 2007 يُطبق سيطرته تماما على عدة محافظات وأحياء في بغداد تقطن فيها أغلبية سنية من السكان، قبل أن تدحره قوات "الصحوة" التي أسستها القوات الأميركية ودعمتها بالسلاح.
تجربة العراق بعودة عناصر"القاعدة" إلى معاقلهم وهم أكثر تمرساً وتدريباً على القتال زاد من مخاوف الأوساط المحلية وضاعف من قلق المجتمع الدولي حيال عودة هؤلاء المقاتلين إلى العراق في ظل أزمة سياسية خانقة تعصف بالفرقاء المحليين يمكن لها أن تُغذي الاضطرابات الأمنية والهجمات النوعية التي يشنها أتباع الفكر المتشدد.
العارفون بشؤون الجماعات المتشددة يؤكدون إن إستراتيجية فرع "القاعدة" في العراق حالياً تتلخص باللجوء إلى مواجهة أكثر جرأة من خلال مهاجمة مواقع محصّنة تخضع لحراسة مشددة، يقوم بها جيل "قاعدي عشوائي" يعد الأخطر لأنه يعتمد نظرية إيقاع أضرار أكبر وليس النصر الميداني.
عن (نقاش)